عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

43

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

تدبر ، وقدم التفكير على القول لكيلا تندم على ما قلت ؛ فالتفكير أولا والكفاية ثانيا ، ولا تمل من سماع أي كلام ، سواء كان يفيدك أم لا ، اسمعه حتى لا ينسد عليك باب الكلام . وحذار أن تقول كلاما باردا ، فإن الكلام البارد بذر تنبت منه العداوة ، وإذا كنت عالما فعد نفسك جاهلا ، ليصير باب التعلم مفتوحا عليك ، ولا تقطع أي كلام أو تمدحه ما لم يعلم لك عيبه وفضله ، وتكلم على نسق واحد مع الخاص والعام حتى لا تخرج عن حد الحكمة ، ولا يصير وبالا على المستمع إلا حيث لا يسمع لكلامك دليل أو حجة ، فعندئذ تحدث كما يريدون حتى تخرج سالما من بين كل قوم ، ومهما تكن بليغا فأظهر من نفسك أقل من ذلك ، حتى لا تبقى راجلا وقت القول والعمل « 1 » ، وكن كثير المعرفة قليل الكلام ، لا كثير الكلام قليل المعرفة ، فقد قيل : الصمت هو السلامة الثانية وكثرة الكلام هي الحماقة الثانية . وذلك لأن الرجل الثرثار مهما يكن عاقلا فإن العامة يعدونه من جملة الحمقى ، وإذا كان شخص أحمق ، فإنه حين يكون صامتا يعد العوام صمته ذاك من جملة العقل ، ولا تمدح نفسك مهما تكن طاهرا ورعا ، لأن أحدا لا يسمع شهادتك لنفسك ، واجتهد أن تكون ممدوح الناس لا ممدوح نفسك ، وإن عرفت كثيرا ، فقل ذاك الذي ينفع حتى لا ينقلب ذلك الكلام وبالا عليك ، كما قال ذلك العلوي للزنكانى « 2 » . حكاية [ رقم 4 ] سمعت أنه كان في أيام الصاحب شيخ بناحية زنكان ، وكان رجلا فقيها ومحتشما من أصحاب الشافعي رحمه الله ، ومفتيا وواعظا لزنكان ، وكان هناك شاب علوي هو ابن رئيس الناحية يشتغل بالوعظ ، وكان بين كليهما دائما مكاشفة « 3 » ، وكل منهما يطعن في الآخر على المنبر ، وذات يوم دعا ذاك الشاب الشيخ بالكافر من فوق المنبر ، فوصل إليه هذا الخبر ، فدعاه ذلك الشيخ من على المنبر بابن الحرام ، فحملوا إليه ذلك الخبر ، فنهض من مكانه وقصد الري ، وذهب إلى الصاحب شاكيا من ذلك الشيخ وبكى وقال : أيجوز في أيام مثلك أن يدعو أحد ابن رسول الله بابن الحرام ؟ فغضب الصاحب وأرسل شخصا ودعا ذلك الشيخ وجلس للمظالم مع الفقهاء والسادة ، وقال أيها الشيخ إنك رجل من جملة الأئمة الشافعية وعالم ووصلت إلى حافة القبر ، فلا يجوز أن تدعو ابن الرسول بابن الحرام ، فالآن صحح هذا الذي قلته ، وإلا أنزل بك عقوبة لا يكون أشد منها حتى تكون عبرة لخلق الله ، ولا يأتي شخص آخر هذه الوقاحة كما هو واجب في الشرع ، فقال الشيخ : صحة شهادتي في هذا الكلام هي شهادة هذا العلوي على نفسه فلا تطلب شهادة أحسن من هذه ، إما بقولي ؛ فهو ابن حلال طاهر وبقوله ؛ ابن حرام . فقال الصاحب ما ذا تعنى ؟ فقال الشيخ كل أهل

--> ( 1 ) يقصد بهذا التعبير أن يقول حتى لا تجد ما تقوله وقت القول والعمل . ( 2 ) نسبة إلى زنكان وهي بلدة في شمال إيران . ( 3 ) عداوة وخصومة .